الخميس، 12 أغسطس 2021

 مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ!


 مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ!

لقد أعدتموها على مسامعي كثيرا استدلالا، واستئناسا، واستمتاعا، واستكثارا، واستكبارا، (وما لبعض ذلك أُنزِلَت). قرأتموها، رتلتموها، لحنتموها، (ومن دون أي تدبر)! وأخيرا قلت: لأرَها بأم عيني، لأقرأها قراءة غير التي قرئت، ولأمعن النظر فيها، لعلِّي أرى ما لم يودُّوا رؤيته.

قال الحق جل شأنه:  "وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ" (النساء ٣)

إن أسلوب التقطيع والإقتصار هو الطريق الأمثل لقلب الأمر إلى صالح ما تريده، (أيا كان) هذه الآية عندما تكون كاملة فإنها لم تَعُدِ الآية المحببة إلى بعض الذكور، ولكن عندما نقتصر على هذ الجزء من قوله جل شأنه. "فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ" فذلك هو الجزء المفضل لهم! وكأنه جل شأنه يأذن لهم في الزواج بعدة من النساء مطلقا، بدون أي شرط، ولو نظرواْ في الآية كاملة لرأواْ غير ما ترآءواْ.

الآية (كما قالت عائشة رضي الله عنها) "نزلت في اليتيمة تكون في حِجرِ الرجل (في رعايته) وقد ترك لها أبوها ميراثا، فيرغب (ذلك الرجل) في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها، ولكن بأدنى من مهر مثلها".

إن كنتم لا تقسطون (لا تعدلون) في اليتيمة، ولا تعطونها مهر مثلها، وترغبون في مالها أكثر مما ترغبون فيها، فخلوها وشأنها. فإن ذلك قسط وليس إقساطا... وانكحواْ ما طاب لكم من النساء غيرها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربعة فإن خفتم أيضا ألَّا تعدلواْ بينهن في الصداق، والقَسْم، والسَكَن، واللباس وغير ذلك مما هو من حق المرأة على زوجها، فواحدة، فاقتصروا بواحدة، أو اقتصرو بالتسري، ذلك أبعد من الميل والجور. هذ هو معنى الآية.

أيكم لا يخاف الجور في بعض ذلك؟ ستميل إلى هذه أكثر من تلك إلى  أن تتجاهل تلك، وتنجذب لهذه، وإن كانت الأخرى أكثر جاذبية! ستقسم بينهما (فقط لأن القسم لازم) ولكن تشعر وكأنك في الجنة عند هذه، وفي السجن عند تلك! أين هذ من العدل؟ لما ذا تسمع قوله جل شأنه "فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ" ولا تسمع قوله جل شأنه "فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً". (إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ!)

أقوال المفسرين:

سعيد بن جبير قال: "كان الناس على جاهليتهم إلا أن يؤمرواْ بشيء أو ينهواْ عنه فذكرواْ اليتامى فنزلت <وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ> قال فكما خفتم ألا تقسطواْ في اليتامى فكذلك فخافواْ ألا تقسطواْ في النساء"

:بينما الضحاك يفسر قوله جل شأنه "وإن خفتم ألا تعدلواْ" قال "في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات"

أما ابن جرير فيقول: "وأولى الأقوال قول من قال: تأويلُها وإن خفتم ألا تقسطواْ في اليتامى فكذلك فخافواْ في النساء فلا تنكحواْ منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضا فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى ألا تجورواْ عليهن"

ويعيد الكرة ثانية: وهو يلخص تفسير الآية بعدما قابلها بالآية التي قبلها والتي تأمرهم أن يتحرجواْ من أموال الغير كما يتحرجون من أموال اليتامى فكذلك فليتحرجواْ الجور في النساء كما يتحرجون الجور في اليتامى يقول "وذلك أن معنى الكلام وإن خفتم أن لا تقسطواْ في أموال اليتامى فتعدلواْ فيها فكذلك فخافواْ أن لا تقسطواْ في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجواْ إلا ما أمِنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضا في ذلك فواحدة، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت أيمانكم"

وابن كثير يقول: "وقوله فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ أي فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلواْ بينهن كما قال تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) النساء ١٢٩ فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة"

إذاً فكل من يخاف الجور بينهن (ومن لا يخاف ذلك؟) فقد أحل الله له واحدة فقط، واحدة!

سأختتم بحديث نبوي، ربما سينجح في إبطاء سرعتك الخارقة، في البحث عن الأربع، ذلك الحديث الذي طالما كنتم تمرون عليه مرور الكرام! (أووه! عفوا، "مرورا غير مرور الكرام" هذ ما كنت سأقوله) ذاك الحديث الَّذي يرويه أصحاب السنن بألفاظ متقاربة ،عن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)).

إذهب في طريقك، يا أُخَيِّ. فأنت أيضا على علم بأنك ستأتي غدا بشقك المائل، ولكن إياك أن ترى الدين الحنيف، سلما ترتقيه لمجرد الوصول إلى شهوتك! والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجموعة قصائد قصيرة في الشوق والحنين.

أما لَك بعد الوهن في أن تـروحي فـإنـك قد أوهـيـتِـنـي يا جـروحي صـبـبـت دموعـا من عيوني كأنـهـا كمـا هي عـن أحـبـابـهـا فـي نـزوح وص...