الجمعة، 24 نوفمبر 2023

أيها القلم



اذهب أيها القلم، أنت حر اليوم، اكتب ما شئت، فلن أوقفك، طالما وضعتك طوع الأنامل، واليوم أضع الأنامل طوع أمرك! حركها بما تريد، فلطالما حركتك بما أرادت، انتق الكلمات كما شئت، مُرِ الفكر ينتهض، ومُرِ المشاعر تنتفض، ألم يأن لك أن تستقلَّ؟ ألم تعرف الطريق بعد؟ إنها الحروف! كم عام مر عليك وأنت تكتبها؟ إنها الكلمات! كم عام مر عليك وأنت تخُطُّها، إنها الجُمَلُ،كم عام.... (نفس)... أتذكُر أول يوم كتبتُ بك؟ أتذكر الطفل الذي ولد لِجارِنا يومذاك؟ لقد تعلم المشي. رئيته اليوم يمشي وحده. ثكلتك أمك! متى تتعلم المشي وحدك؟ لا أراك تصغي، بل لا أراك تسمع.

ولله در القائل: لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي!

◇◇◇

يا ابن آدم، ما أعجلك! تبارك رب العزة إذ يقول: "وكان الإنسان عجولا" يابن آدم، ما أغفلك! أما عرفت أني كنت قبل خلقك أخُطُّ الكلِمَ وحدي، كنت أخط وأنامل جَدِّ أجدادك لم تزل طينا؟ ألم يخبرك المُرسَل (وكل خبره صدق) أن ربك خلقني أول ما خلق؟ ألم يخبرك أن ربك أمرني، فَجَريتُ بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ أي أنامل أمسكتني ءانذاك؟ يا ابن آدم، ما أغرَّك! وهل عُلِّمتَ إلا بي؟ أما بلغك أول ما نزل من الوحي على المُرسَل؟ أما قرأت المُفصَّل؟ اتلُ قول رب العزة إذ يقول: "الذي علَّم بالقلم" يابن آدم، ما أجهلك! لو علمت ما أعلم لَمَا تركتني أكتب وحدي، ولأمسكتني بأناملك إمساكا، أوَ أمنتَ أن أشهد عليك (من ماضيك) ما كتمتَه؟ أم أمنتَ أن أخبرك عن غَدِك ما لا يعجبك؟ أم أمنتَ أن أعاتبك على سوء خطِّك؟ فلقد عذبتني به! أو على عدم فصاحة كلامك، فلقد أخجلتني به! أو على سوء إمساكك بي، فلقد خنَقتَنِي!

يابن آدم لولا أن تذهب بك نفسك لشَكَرتُك، لشَكَرتُك على ما أطلقتَ من سراحي، ألا تراني أختار من الكلمات بديعَها؟ ألا تراني أنَمِّقُ ألأَحرُف وأجيدها؟ ألا تراني أرقص فوق الأسطر متمايلا؟ ألا تراني أقصف جبهتك مرتاحا؟ يابن آدم أنا لا أدع من يُحسِن إليَّ حتى أُكافِئَه، وإني لك ناصح، فاسمع مني ثلاثا: "لا تستخف بغيرك" هذه واحدة. "لا تستعظم قدر نفسك" وهذه الثانية. "لا تأمن بطشة قلم" وهذه الأخيرة. لم يُنصَح بها أحد قبلك، ان اتَّعظتَّ بها ربحت، وإن رميت بها من وراء ظهرك خسرت. أحسن من خطِّك، أحسَن الله إليك. وتعلم البيان، فشر الكلام ما حُرِم البيان. وإذا كتبت فأرخِ لي الزمام وأرِح، أراحك الله. ولا تَتَّكِأْ علي وتَطعَنَ الورقة، والسلام.

لا تدعوا أقلامكم وشأنها، وشدوا عليها بالأنامل، فإنكم إن تتركوها تكشف عن أقنعتكم، وتخبركم عن أنفسكم ما لا تعلمون، ولقد رأيتم ما فعل قلمي، فأنتم وشأنكم، والسعيد من وعظ بغيره.

مجموعة قصائد قصيرة في الشوق والحنين.

أما لَك بعد الوهن في أن تـروحي فـإنـك قد أوهـيـتِـنـي يا جـروحي صـبـبـت دموعـا من عيوني كأنـهـا كمـا هي عـن أحـبـابـهـا فـي نـزوح وص...